الآلوسي

146

تفسير الآلوسي

الهموم والأشجان الدنيوية . وفي الخبر " أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكر في كثير إلا وقلله ولا في قليل إلا وكثره " وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً أخرى يتميز فيها المحسن عن المسئ ويرى كل منهما جزاء عمله ، وهذه القضية الكلية لا يمكن إجراؤها على عمومها لظاهر قوله تعالى : * ( فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) * ( الزمر : 68 ) وإذا أريد بالنفس الذات كثرت المستثنيات جداً ، وهل تدخل الملائكة في هذا العموم ؟ قولان ، والجمهور على دخولهم . فعن ابن عباس أنه قال : لما نزل قوله تعالى : * ( كل من عليها فان ) * ( الرحمن : 26 ) قالت الملائكة : مات أهل الأرض فلما نزل * ( كل نفس ذائقة الموت ) * قالت الملائكة : متنا ، ووقوع الموت للأنفس في هذه النشأة الحيوانية الجسمانية مما لا ريب فيه إلا أن الحكماء بنوا ذلك على أن هذه الحياة لا تحصل إلا بالرطوبة والحرارة الغريزيتين . ثم إن الحرارة تؤثر في تحليل الرطوبة ، فإذا قَلت الرطوبة ضعفت الحرارة ولا تزال هذه الحال مستمرة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت ، ومن هنا قالوا : إن الأرواح المجردة لا تموت ولا يتصور موتها إذ لا حرارة هناك ولا رطوبة ، وقد ناقشهم المسلمون في ذلك والمدار عندهم على حرارة الكاف ورطوبة النون ، ولعلهم يفرقون بين موت وموت ، وقد استدل بالآية على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول المذوق فتدبر ، وقرأ اليزيدي * ( ذائقة الموت ) * بالتنوين ونصب الموت على الأصل ؛ وقرأ الأعمش * ( ذائقة الموت ) * بطرح التنوين مع النصب كما في قوله : فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكراً لله إلا قليلاً وعلى القراءات الثلاث * ( كل نفس ) * مبتدأ وجاز ذلك وإن كان نكرة لما فيه من العموم ، و * ( ذائقة ) * الخبر ، وأنث على معنى * ( كل ) * لأن * ( كل نفس ) * نفوس ولو ذكر في غير القرآن على لفظ * ( كل ) * جاز . * ( وَإنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ ) * أي تعطون أجزية أعمالكم وافية تامة * ( يَوْمَ الْقيَامَة ) * أي وقت قيامكم من القبور ، فالقيامة مصدر والوحدة لقيامهم دفعة واحدة ، وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم من خير أو شر تصل إليهم قبل ذلك اليوم ، ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري والطبراني في " الأوسط " عن أبي هريرة مرفوعاً " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران " ، وقيل : النكتة في ذلك أنه قد يقع الجزاء ببعض الأعمال في الدنيا ، ولعل من ينكر عذاب القبر تتعين عنده هذه النكتة . * ( فَمَنْ زُحْزحَ عَن النَّار ) * أي بعد يومئذٍ عن نار جهنم ، وأصل الزحزحة تكرير الزح ، وهو الجذب بعجلة ، وقد أريد هنا المعنى اللازم * ( وَأُدْخلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ) * أي سعد ونجا قاله ابن عباس ، وأصل الفوز الظفر بالبغية ، وبعض الناس قدر له هنا متعلقاً أي فاز بالنجاة ونيل المراد ، ويحتمل أنه حذف للعموم أي بكل ما يريد ، وفي الخبر " لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية " . وأخرج أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " وذكر دخول الجنة بعد البعد عن النار لأنه لا يلزم من البعد عنها دخول الجنة كما هو ظاهر . * ( وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا ) * أي لذاتها وشهواتها وزينتها * ( إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور ) * المتاع ما يتمتع به وينتفع